الحارث المحاسبي
200
الرعاية لحقوق الله
في الدنيا محمودا معظما ، لأنه لما منعها من كثير من لذّاتها من الدنيا ، فإذا وجدت موضع خلاص في الدين إلى طلب اللذّة والراحة نازعته إليه ، لتصيب من راحة الدنيا بعد منعه لها أكثر لذتها وراحتها ، وهي شهواتها الخفيّة ولذّتها الكامنة ، لأنها ليست من ظاهر شهواتها ، فعلم العبد - إذا نازعته إليها - أنها قد نازعته إلى شهوتها ولذّتها ، وليس من شهوتها الظاهرة ، ولا من شهوات مطعمها ومشربها وملبسها ومنكحها التي تنالها بجوارحها ، ولكن شهوة من باطنها في خير ظاهرها ، فهي خفيّة في النفوس لأنها ليست بظاهرة من فضول حلال منفرد به ، ولا شرّ ينفرد من الشرّ الذي لا يشوبه الخير ، ولكنها شهوة خفيّة إذ صارت ممازجة للخير داخلة فيه فعاملها ظاهر الخير ، فهو مطيع في الظاهر ، يرى أنه للّه عزّ وجلّ يعمل ، والنفس قد أبطنت الشهوة ، لتتزيّن بذلك وتتصنّع عند العباد بظاهر الطاعة ، وأنها قربة لا يتهم العبد نفسه فيتفقدها ، لأن الشهوة تخفي على العبد قصده من أجلها ، فلا يتبيّن ذلك إلا بالعلم الدالّ على قصده ما هو ، فكمنت وخفيت على العامل إذا لم يستضئ بالعلم . كما يروى عن وهب ، أنه قال : كمون الشهوة في القلب ككمون النار في العود : إن قدح أورى وإن ترك خفى ، وقال : الرياء أبينه كذب ، وأخفاه مكيدة ، يعني أنه يخفى على من غفل ويتبيّن لمن يتفقده بالعلم ونظر إليه بالمعرفة . ومن علم شدّة حاجته إلى صافي الحسنات غدا في القيامة ، غلب على قلبه حذر الرياء وتصحيح الإخلاص بعمله ، حتى يوافى يوم القيامة بالخالص المقبول ، إذ علم أنه لا يخلص إلى اللّه جلّ ثناؤه إلا ما خلص منه ، ولا يقبل يوم القيامة إلا ما كان صافيا لوجهه ، لا تشوبه إرادة بشئ غيره .